حول العالم

الشيخ خالد حسن يكتب: لا تسرف في الماء ولو كنت على نهر جارٍ 

 

الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على النبي المصطفى  ،، وبعد..

لقد منّ الله علينا بنعم كثيرة لأنه الإله المنعم المنان ومن هذه النعم نعة ( الماء ) فإنَّ الماءَ نعمةٌ من اللهِ عظيمةٌ، وهبةٌ من المولى جزيلةٌ، بهِ تدومُ الحياةُ، وتعيشُ الكائناتُ، وتخضرُّ الأرضُ، وتنبتُ من كلِّ زوجٍ بهيجٍ، وهو عنصرُ الحياةِ وسببُ البقاءِ، قالَ تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ} (الأنبياءِ: 30)، وبهِ تُعقدُ الآمالُ، وتطيبُ النفوسُ، وتتفاءلُ الأرواحُ، وتُنشرُ الرحمةُ، قالَ تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ} (الشورى: 28)، وهو أغلى من الملكِ، وأثمنُ من الجواهرِ، وهو نعمةُ اللهِ الكبرى، ومنَّتُهُ العظمى، قالَ تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ ۝ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ} (الواقعةِ: 68-69).

وممَّا يؤكدُ أنَّهُ أغلى من الملكِ هذهِ القصةُ الرائعةُ: رُويَ أنَّ ابنَ السماكِ دخلَ على هارونَ الرشيدِ الخليفةِ العباسيِّ، فاستسقى الخليفةُ، فأُتيَ بكأسٍ بها، فلمَّا أخذَها قالَ ابنُ السماكِ: على رسلِكَ يا أميرَ المؤمنينَ! لو مُنعتَ هذهِ الشربةَ بكمْ كنتَ تشتريها؟! قالَ: بنصفِ ملكي. قالَ: اشربْ هنأكَ اللهُ يا أميرَ المؤمنينَ. فلمَّا شربَها قالَ: أسألُكَ باللهِ لو مُنعتَ خروجَها من بدنِكَ، بماذا كنتَ تشتري خروجَها؟! قالَ: بجميعِ ملكي. قالَ ابنُ السماكِ: لا خيرَ في ملكٍ لا يساوي شربةَ ماءٍ. فبكى هارونُ الرشيدُ… يا اللهُ!! ملكٌ يمتدُّ من الصينِ شرقًا إلى المحيطِ الأطلسيِّ غربًا لا يساوي شربةَ ماءٍ..! وهذا يدل على أهمية الماء الذي هو حقا يساوي كنوز الدنيا، لذا ألزمنا شرعنا الحكيم بالمحافظة على الماء وألا نسرف فيه فقد جاءَ أعرابيٌّ إلى النبيِّ ﷺ يسألُهُ عن الوضوءِ، فأراهُ الوضوءَ ثلاثًا ثلاثًا، ثمَّ قالَ: «هكذا الوضوءُ، فمن زادَ على هذا فقد أساءَ وتعدَّى وظلمَ». (ابنُ ماجةَ والنسائيُّ بسندٍ حسنٍ).

وإذا كانَ هذا في شأنِ عبادةٍ، فما ظنُّكَ بما دونَ العبادةِ؟! وعن عبدِ اللهِ بنِ عمروٍ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ مرَّ بسعدٍ وهو يتوضأُ، فقالَ: «ما هذا السرفُ؟» فقالَ: أفي الوضوءِ إسرافٌ؟ قالَ: «نعمْ، وإنْ كنتَ على نهرٍ جارٍ».

وإن ذلك ليس فحسب بل لقد دعانا الإسلامُ إلى نظافةِ المياهِ، وذلكَ بالمحافظةِ على تنقيتِها وطهارتِها، وعدمِ إلقاءِ القاذوراتِ والمخلفاتِ والبقايا فيها، باعتبارِ أنَّ الماءَ أساسُ الحياةِ، وقد جاءتْ أوامرُهُ ﷺ ناهيةً عن أنْ يُبالَ في الماءِ الراكدِ، فعن جابرٍ، عن رسولِ اللهِ ﷺ: «أنَّهُ نهى عن البولِ في الماءِ الراكدِ». (مسلمٌ)، كما يشملُ النهيُ البولَ في الماءِ الجاري، وفي أماكنِ الظلِّ، باعتبارِها أماكنُ يركنُ إليها المارَّةُ للراحةِ من وعثاءِ السفرِ، وعناءِ المسيرِ، وربما لأنَّ الشمسَ لا تدخلُها فلا تتطهرُ، فتصبحُ محطَّ الأوبئةِ وموضعَ الأمراضِ، وفي الحديثِ: «لا يبولنَّ أحدُكم في الماءِ الدائمِ الذي لا يجري ثمَّ يغتسلُ فيهِ».لذلكَ كانَ رسولُ اللهِ ﷺ أصدقَ الناسِ شكرًا لهذهِ النعمةِ، فإذا أكلَ أو شربَ قالَ: «الحمدُ للهِ الذي أطعمَ، وسقى، وسوَّغَهُ، وجعلَ لهُ مخرجًا» فالماءُ نعمةٌ عظيمةٌ تحتاجُ إلى الشكرِ، وإنَّ شكرَ اللهِ تباركَ وتعالى على نعمةِ الماءِ لا يقتصرُ على الشكرِ باللسانِ، بلْ يتعدَّاهُ إلى الشكرِ بحسنِ التصرفِ فيهِ، وحسنِ استغلالِهِ، والاقتصادِ والترشيدِ في استعمالِهِ، فأيُّ إسرافٍ في استعمالِ الماءِ هو تصرفٌ سيئٌ وسلوكٌ غيرُ حميدٍ، لذلكَ جاءَ النهيُ عنهُ صريحًا في القرآنِ المجيدِ، يقولُ اللهُ تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} (الأعرافِ: 31)، وإذا كانَ الإسرافُ في استعمالِ الماءِ للشربِ منهيًّا عنهُ وممنوعًا منهُ، فإنَّ استعمالَهُ بإسرافٍ في مجالاتٍ أخرى أكثرُ منعًا وأشدُّ خطرًا.ولم تقفِ الحكمةُ في ماءِ الحياةِ! ولكنِ انظرْ إلى هذهِ المياهِ المختلفةِ، فهذا ماءُ الأذنِ مرٌّ، وماءُ العينِ مالحٌ، وماءُ الفمِ عذبٌ! فاقتضتْ رحمةُ اللهِ أنَّهُ جعلَ ماءَ الأذنِ مرًّا في غايةِ المرارةِ؛ لكي يقتلَ الحشراتِ والأجزاءَ الصغيرةَ التي تدخلُ الأذنَ، وجعلَ ماءَ العينِ مالحًا؛ ليحفظَها؛ لأنَّ شحمتَها قابلةٌ للفسادِ، فكانتْ ملوحتُها صيانةً لها، وجعلَ ماءَ الفمِ عذبًا؛ ليُدرَكَ طعمُ الأشياءِ على ما هي عليهِ، إذْ لو كانتْ على غيرِ هذهِ الصفةِ لأحالَها إلى غيرِ طبيعتِها، حقًّا لا نملكُ إلَّا أنْ نقولَ: سبحانَ اللهِ!!! وهكذا ظهرَ لنا بجلاءٍ ووضوحٍ أهميةُ الماءِ في حياةِ الإنسانِ.

فحافظ أخي الحبيب على كل قطرة ماء فإنها تساوي حياة .

اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وبلغ بنا.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى