اخبار مصر

الشيخ خالد حسن يكتب: العمل شرف والكسب أمانة

 

الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على النبي المصطفى ، وبعد ..
للعملِ والإنتاجِ أهميةٌ كُبرَى ومكانةٌ رفيعةٌ في الإسلامِ، لذلكَ أمرَنَا اللهُ سبحانَهُ بالسعيِ والضربِ في الأرضِ مِن أجلِ الرزقِ، قالَ تعالي: { هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ }. ( الملك: 15)، ويقررُ الإسلامُ أنَّ حياةَ الإيمانِ بدونِ عملٍ هي عقيمٌ كحياةِ شجرٍ بلا ثمرٍ. لذلك يدفعُنَا النبيُّ ﷺ دفعًا إلى حقلِ العملِ حتى عندَ قيامِ الساعةِ، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ” إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ؛ فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا، فليغرسها”. [ أحمد والبخاري في الأدب المفرد بسند صحيح ]. وإعلاءً لقيمةِ العملِ والإنتاجِ كان لكلٍ مِن الأنبياءِ والصالحينَ مهنةٌ يتكسبونَ منهَا مع الدعوةِ إلى اللهِ تعالَى، وفي ذلكَ يقولُ ﷺ: «مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الغَنَمَ»، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ؟ فَقَالَ: «نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ». ( البخاري).
لذلكَ حثّنَا الرسولُ ﷺ على اتخاذِ المهنةِ للكسبِ، فهي خيرٌ مِن المسألةِ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:” لَأَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَتَصَدَّقَ مِنْهُ فَيَسْتَغْنِيَ بِهِ عَنْ النَّاسِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ رَجُلًا أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْيَدَ الْعُلْيَا أَفْضَلُ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ” (الترمذي وحسنه).
كما كانَ سيدُنَا عمرُ بنُ الخطابِ رضي اللهُ عنهُ يهتمُّ بالعملِ ويرغبُ فيهِ فيقولُ: ما مِن موضعٍ يأتينِي الموتُ فيهِ أحبُّ إلىَّ مِن موطنٍ أتسوقُ فيهِ لأهلِي أبيعُ وأشترِي، وكانَ إذَا رأي فتىً أعجبَهُ حالهُ، سألَ عنهُ: هل لهُ مِن حرفةٍ؟ فإنْ قيلَ: لا. سقطَ مِن عينيهِ، وكان إذا مُدِحَ بحضرتهِ أحدٌ سألَ عنهُ: هل لهُ مِن عملٍ؟ فإنْ قيلَ: نعم. قال: إنَّهُ يستحقُّ المدحَ، وإنْ قالُوا: لا. قال: ليسَ بذاك، وكان كلّمَا مرّ برجلٍ جالسٍ في الشارعِ أمامَ بيتهِ لا عملَ لهُ أخذَهُ وضربَهُ بالدرةِ وساقَهُ إلى العملِ وهو يقولُ: إنَّ اللهَ يكرَهُ الرجلَ الفارغَ لا في عملِ الدنيا ولا في عملِ الآخرةِ. وكان يقولُ أيضًا: “مكسبَةُ في دناءةٍ خيرٌ مِن سؤالِ الناسِ، وإنَّ اللهَ خلق َالأيديِ لتعملَ فإنْ لم تجدْ في الطاعةِ عملًا، وجدتْ في المعصيةِ أعمالًا “، وكان سعيدُ بنُ المسيبِ يتاجرُ بالزيتِ ويقولُ: واللهِ ما للرغبةِ في الدنيا ولكنْ أصونُ نفسِي وأصلُ رحمِي.”، وكان إبراهيمُ بنُ أدهمَ إذا قيلَ لهُ : كيفَ أنتَ ؟ قال : بخيرٍ ما لم يتحملْ مؤنتِي غيرِي. (إحياء علوم الدين – الغزالي)
إنَّ العملَ شرفٌ، ولو لم يكنْ الإنسانُ في حاجةٍ للعملِ، لكانَ عليهِ أنْ يعملَ للمجتمعِ الذي يعيشُ فيهِ، فإنَّ المجتمعَ يعطيه، فلابدَّ أنْ يأخذَ منهُ على قدرِ ما عندَهُ، يُروَى أنَّ رجلًا مرَّ على أبي الدرداءِ الصحابِيّ الزاهدِ – رضي اللهُ عنه- فوجدَهُ يغرسُ جوزةً، وهو في شيخوختهِ وهرمهِ، فقالَ لهُ: أتغرسُ هذه الجوزةَ وأنت شيخٌ كبيرٌ، وهي لا تثمرُ إلّا بعدَ كذا وكذا عامًا ؟! فقال أبو الدرداء: وما عليَّ أنْ يكونَ لي أجرهَا ويأكلُ منهَا غيري! ونغرس فيأكل من بعدنا!!
إننا لو نظرنا إلى جميع الأنبياء لوجدنا أن لهم دوراً بارزاً في العمل والكسب والاحتراف؛ فقد كان لكل واحد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام جميعاً حرفة يعيش بها، فهذا آدم – عليه السلام – كان حراثاً وحائكاً، وكانت حواء تغزل القماش، وكان إدريس خياطاً وخطاطاً، وكان إلياسُ – عليه السلام – نسَّاجًا، وكان نوح وزكريا نجارين، وكان هود وصالح تاجرين، وكان إبراهيم زارعاً وبناءً، وكان أيوب زراعاً، وكان داود زراداً – أي يصنع الزرد – وهو درع من حديد يلبسه المحارب، وكان سليمان خواصاً؛ وكان موسى وشعيب ومحمد ﷺ وسائر الأنبياء عليهم السلام يعملون بمهنة رعي الأغنام. فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:” مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ. فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ؟! فَقَالَ: نَعَمْ كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ “( البخاري).
إن سيدنا محمدًا ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين؛ ضرب لنا أروع الأمثلة في العمل والكسب والاحتراف؛ فكان يقوم بمهنة أهله، يغسل ثوبه، ويحلب شاته، ويرقع الثوب، ويخصف النعل؛ ويعلف بعيره، ويأكل مع الخادم، ويطحن مع زوجته إذا عييت ويعجن معها، وكان يُقطِّع اللحم مع أزواجه، ويحمل بضاعته من السوق، ونحر في حجة الوداع ثلاثاً وستين بدنة بيده، وكان ينقل التراب يوم الخندق حتى اغبر بطنه، وكان ينقل مع صحابته اللبن – الطوب الترابي- أثناء بناء المسجد، فعمل فيه رسول الله ﷺ ليرغب المسلمين في العمل والبناء والتعمير؛
إن العمل الكسب والاحتراف لم يكن في حياة الأنبياء فقط ؛ بل ربي النبي ﷺ صحابته الكرام على الجد والاجتهاد والعمل والاحتراف من أجل البناء والتعمير، فكان لكل واحد منهم مهنة يتكسب بها؛ فهذا أبو بكر الصديق كان تاجر أقمشة؛ وكان عمر بن الخطاب دلالاً؛ وعثمان بن عفان تاجراً؛ وعلى بن أبى طالب عاملاً؛ كما كان عبد الرحمن بن عوف تاجراً؛ والزبير بن العوام خياطاً ؛ وسعد بن أبى وقاص نبالاً أي يصنع النبال؛ وعمرو بن العاص جزاراً؛ وخباب بن الأرت حدادًا، وعبد الله بن مسعود راعيًا، والزبير بن العوام خياطًا، وبلال بن رباح وعمار بن ياسر كانا خادمين، وسلمان الفارسي كان حلاقًا ومؤبرًا للنخل، وخبيرًا بفنون الحرب، والبراء بن عازب وزيد بن أرقم كانا تاجرين.
فينبغي على المسلم في عمله أن يأخذ بجميع الأسباب الموصلة إلى غايته وهدفه مع التوكل على الله تعالى؛ وهذا ما غرسه النبي في نفس الصحابي الذي أطلق الناقة متوكلا على الله؛ فعن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَعْقِلُهَا وَأَتَوَكَّلُ أَوْ أُطْلِقُهَا وَأَتَوَكَّلُ؟ قَالَ:” اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ” (الترمذي وحسنه).
اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وبلغ بنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى