المحكم ياسر عبدالله حجازي يكتب… فقدان الشغف لماذا نفقد رغبتنا في الإستمرار وكيف نعود؟
تبدأ الحكاية دائماً بصوت خافت ليس بإنفجار مدوٍّ أو صرخة إحتجاج بل بإنطفاء تدريجي يشبه غروب الشمس في يوم غائم تجد نفسك فجأة تقف خلف جدران صامتة بناها عقلك وجسدك لحمايتك لكنها تحولت مع الوقت إلى سجن يمنعك من الحركة الأشياء التي كانت تثير حماسك بالأمس أصبحت اليوم مجرد بنود ثقيلة في قائمة مهامك اليومية.
فقدان الشغف ليس مجرد مزاج سيء يزول بكوب من القهوة بل هو حالة عميقة من الإنهاك النفسي والوجودي تستحق أن نفهمها لنعرف كيف نتعافى منها
أولا : علامات الانطفاء
قبل أن تبحث عن الحل عليك أن تدرك أين تقف بالضبط ففقدان الرغبة في الإستمرار يتسلل عبر سلوكيات يومية قد تظنها عادية منها المماطلة الدفاعية فأنت لا تؤجل عملك لأنك كسول بل لأن مواجهة المهمة أصبحت تسبب لك ألما نفسيا أو ضغطا لا تملك الطاقة لمواجهته فالبلادة العاطفية فغياب مشاعر البهجة عند تحقيق إنجاز ما يصبح النجاح والفشل متساويين في عينيك والمهم فقط هو أن ينتهي اليوم وأيضا الإنفصال عن الواقع شعور دائم بأنك مراقب خارجي لحياتك تؤدي دورك كآلة مبرمجة دون أي تفاعل حقيقي مع التفاصيل.
ثانيا : لماذا نفقد الرغبة؟
الجدران الصامتة لا ترتفع فجأة بل تُبنى حجراً بحجر نتيجة لعدة عوامل متراكمة منها:
1. فخ الركض اللانهائي والإحتراق النفسي
ففي عالم يمجد الإنتاجية المستمرة ننسى أن طاقة الإنسان محدودة فالعمل المتواصل دون مكافأة نفسية أو فترات راحة حقيقية يحوّل الشغف إلى رماد.
2. غياب المعنى والجدوى
الإنسان كائن يبحث عن المعنى عندما تشعر أن ما تفعله لا يقدم قيمة حقيقية لك أو للآخرين أو أنك مجرد ترس صغير في عجلة لا تدور لصالحك يبدأ عقلك في إعلان الإضراب ويسحب منك طاقة الحماس.
3. الروتين التكراري القاتل
الدماغ البشري يعشق التحديات الجديدة فعندما تصبح الحياة نسخة مكررة ومملة ينطفئ الفضول ومعه ينطفئ الشغف.
ثالثا : خارطة الطريق وكيف نكسر الجدران ونعود؟
العودة لا تعني القفز مباشرة إلى ساحة المعركة بنفس الحماس القديم العودة تبدأ بخطوات صغيرة واعية ومستدامة فهناك حقيقة مؤلمة لكنها محفزة أن الشغف لا يأتي قبل العمل بل يولد من رحم الحركة و الإنتظار خلف الجدران حتى تشعر بالرغبة هو فخ عليك أن تبدأ أولا بخطوة صغيرة وسيلحق بك الشغف لاحقا
أعلن الهدنة وتصالح مع انطفائك فأول خطوة للتعافي هي التوقف عن جلد الذات تقبل أنك متعب وأن من حقك أن تنطفئ لفترة المقاومة المستمرة تزيد من عمق الفجوة إذا كان لديك عمل تؤجله نسق مع عقلك على أن تعمل عليه لمدة 5 دقائق فقط ثم تتوقف إن أردت فغالبا كسر حاجز البداية هو أصعب ما في الأمر وبمجرد أن تبدأ ستستمر غير البيئة والسياق فإذا لم تكن قادرا على تغيير عملك أو دراستك غير التفاصيل الصغيرة المحيطة بها غير مكان مكتبك إستمع لنوع جديد من الموسيقى أو أسلك طريقا مختلفا فالتغيير البصري يرسل إشارات إيجابية للدماغ
ابحث عن شغف جانبي فأحيانا يكون إنقاذ شغفك المهني هو البدء في هواية لا علاقة لها بالمهنة تماما كالكتابة و الرسم و الطهي أو الرياضة فهذه المساحات الحرة تعيد شحن طاقتك الإبداعية.
في النهاية يجب أن ننظر إلى فقدان الشغف ليس كعدو لدود بل كصديق مخلص يطرق بابنا بقوة ليقول لنا الطريقة التي تسير بها حياتك الآن لم تعد تناسبك تلك الجدران الصامتة ليست نهاية المطاف بل هي فرصة لإلتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب الأولويات والبدء من جديد بوجه أكثر نضجا وفهما لأنفسنا لا تخف من الإنطفاء فالنجوم لا تلمع إلا في عتمة الليل الشديدة.