في ظل الإنفاق المتزايد من قبل أولياء الأمور على دورات اللغة الإنجليزية لأبنائهم، تبرز مفارقة لافتة:
الطفل قد يقضي سنوات في دراسة اللغة، ومع ذلك يجد صعوبة في إجراء محادثة بسيطة بطلاقة.
هذا التساؤل، الذي يتكرر في كثير من البيوت، دفع عدداً من المؤسسات التعليمية إلى إعادة النظر في طرق التدريس التقليدية. ومن بين التجارب التي لفتت الانتباه مؤخراً، تجربة أكاديمية “إنريتشي” الدولية (ENrichy International Academy)، التي تعتمد على ما يُعرف بـ “أسلوب الغمر” (Immersion Method).
نهاية عصر الحفظ والتلقين؟
يرى مختصون في تعليم اللغات أن اكتساب اللغة لا يعتمد بالدرجة الأولى على حفظ القواعد أو ترجمة الكلمات، بل على التعرض المستمر للغة في سياقات حقيقية.
انطلاقاً من هذا المفهوم، تبنت الأكاديمية نموذجاً تعليمياً مختلفاً، يقوم على دمج الطفل داخل بيئة لغوية تفاعلية، بدلاً من الاكتفاء بحصص تقليدية محدودة.
ويعتمد هذا النموذج على كثافة التعلم وتنوع مصادره، حيث يتلقى الطفل نحو 30 حصة شهرياً، بإجمالي يقارب 29 ساعة من التفاعل الفعلي، موزعة على مسارات متعددة تهدف إلى تنمية مهارات اللغة بشكل متكامل.
أربع محطات لبناء المهارة
أظهر الاطلاع على المنهج المتبع أن البرنامج لا يقتصر على جانب واحد من التعلم، بل يعتمد على تقسيم العملية التعليمية إلى عدة محطات مترابطة:
• المسار الأساسي (Main Course)
يركز على بناء القاعدة اللغوية وتنمية المهارات الأربع: الاستماع، التحدث، القراءة، والكتابة.
• المحادثة (Conversation)
يستهدف تدريب الأطفال على استخدام اللغة في مواقف حقيقية، مع التركيز على كسر حاجز التردد.
• الصوتيات (Phonics)
يساعد الطفل على فهم الأصوات وربطها بالكلمات، مما يدعم قدرته على القراءة بشكل مستقل.
• الدراما (Drama)
يوفر بيئة تفاعلية تساعد على التعبير واكتساب الثقة، من خلال مواقف تمثيلية وأنشطة جماعية.
من التعلم إلى الاكتساب
يُلاحظ في هذا النموذج تركيز واضح على تحويل اللغة من مادة دراسية إلى أداة استخدام يومي.
فبدلاً من الاعتماد على الترجمة، يتم تشجيع الطفل على التفكير المباشر باللغة، وهو ما يعد أحد أهم عناصر بناء الطلاقة.
كما أن الاحتكاك المستمر بمدرسين يتحدثون اللغة بطلاقة يساهم في تحسين النطق واكتساب أنماط التعبير بشكل طبيعي.
نتائج لافتة للنظر
وبحسب البيانات المتاحة من الأكاديمية، فقد تم تطبيق هذا النظام على مئات الطلاب، مع ملاحظة تحسن واضح في قدرتهم على الفهم والتحدث خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً.
وتشير التجربة إلى أن بعض الأطفال أظهروا تطوراً ملحوظاً في مهارات التحدث والثقة بالنفس خلال الأشهر الأولى من التطبيق، وهو ما يعزوه القائمون على البرنامج إلى كثافة التعرض للغة وطبيعة البيئة التفاعلية.
تحول في نظرة التعليم
تجربة “إنريتشي” تعكس توجهاً أوسع في مجال تعليم اللغات، يقوم على الانتقال من نموذج “تعلم القواعد” إلى نموذج “اكتساب اللغة”.
ومع تزايد اهتمام أولياء الأمور بالنتائج العملية، يبدو أن أساليب مثل “الغمر اللغوي” تفرض نفسها كأحد الاتجاهات الحديثة التي تعيد تشكيل مفهوم تعليم اللغات في المنطقة.