حين يصبح العنوان جزءًا من الحكاية ..
/2/
حين يصبح العنوان جزءًا من الحكاية ..
عناوين كتب حسام كامل تثير الفضول وتصنع حضورًا مختلفًا في المشهد الأدبي
في وقت تتشابه فيه كثير من عناوين الكتب، وتبدو بعض الإصدارات وكأنها تتحرك داخل القوالب نفسها، اختار الكاتب المصري حسام كامل أن يسلك طريقًا مختلفًا .. فالعنوان عنده ليس بطاقة تعريف بالكتاب، ولا جملة عابرة توضع على الغلاف، وإنما هو جزء من الفكرة، ومدخل أول إلى عالم العمل.
«نظرية خُرم الباب».. «ابن الميدوزا».. «نظرية الجزمة القديمة».. «نظرية السرايا الصفراء».. «نظرية كلاب الشوارع».. عناوين لا تمر على القارئ مرورًا عاديًا، بل تستوقفه وتدفعه إلى السؤال قبل أن تدفعه إلى القراءة: ما الذي يمكن أن يجمع بين خُرم الباب والإنسان؟ وما الذي يمكن أن تقوله جزمة قديمة عن حياتنا؟ ولماذا السرايا الصفراء؟ وما الذي يمكن أن يتعلمه الإنسان من كلاب الشوارع؟
وهنا تحديدًا تكمن إحدى السمات اللافتة في تجربة حسام كامل .. فهو لا يبحث عن العنوان المألوف الذي يشرح الكتاب من الخارج، بل عن عنوان يفتح بابًا للفضول، ثم يترك للمحتوى مهمة اكتشاف المعنى.
وقد لفتت هذه العناوين غير التقليدية الانتباه إلى مشروع الكاتب، الذي يتحرك في مساحة خاصة بين الأدب الساخر والكتابة التنموية والرؤية الإنسانية. وتشير تغطيات صحفية تناولت تجربته إلى أن هذه الأعمال استطاعت أن تحقق حضورًا لافتًا داخل الأوساط الأدبية والتنموية، ليس فقط بسبب اختلاف عناوينها، وإنما لما تحمله من أفكار ومعالجات تذهب إلى تفاصيل الحياة اليومية والسلوك الإنساني من زوايا غير معتادة.
فـ«نظرية خُرم الباب» – على سبيل المثال – تنطلق من صورة بسيطة شديدة الدلالة لتناقش محدودية الرؤية حين يكتفي الإنسان بالنظر من زاوية واحدة، بينما جاءت «نظرية الجزمة القديمة» لتعيد النظر في مفهوم الأولويات من خلال تفاصيل تبدو في ظاهرها عادية، لكنها تحمل دلالات تتجاوز الأشياء ذاتها. أما «نظرية السرايا الصفراء» فتستدعي عالمًا شديد الخصوصية لتقديم مقولات وتأملات ساخرة في النفس والحياة، في حين تذهب «نظرية كلاب الشوارع» إلى منطقة أكثر جرأة، مستخدمة عالمًا يعرفه الجميع لتطرح أسئلة عن الغريزة والصدق والخداع والعلاقات الإنسانية.
ولم يتوقف اختلاف التجربة عند عناوين الكتب .. فقد انتقل حسام كامل إلى الرواية من خلال «ابن الميدوزا»، التي تناولت قضايا اجتماعية وإنسانية شائكة، وحظيت باهتمام إعلامي ونقدي، كما ظهرت ضمن تغطيات تناولت الأعمال الروائية ذات العناوين اللافتة في المشهد العربي.
وربما يكون اللافت في تجربة حسام كامل أن القارئ لا يكتفي بعد انتهاء الكتاب بالسؤال: «ماذا قال الكاتب؟»، وإنما يعود أحيانًا إلى العنوان نفسه ليفهم لماذا اختار الكاتب هذا الاسم تحديدًا.
وهذه واحدة من أصعب مهام الكتابة .. أن تجعل العنوان قادرًا على جذب القارئ دون أن يكون مجرد حيلة تسويقية، وأن يكون غريبًا بما يكفل ليُتذكر، ودالًا بما يكفي ليكتسب معناه بعد القراءة.
ومن هنا تبدو عناوين حسام كامل – وكأنها تشكل في مجموعها – قاموسًا خاصًا بتجربته .. عناوين تبدو مألوفة في مفرداتها، ولكنها غير مفهومة في إيقاعها، تحمل قدرًا من السخرية والمفارقة، لكنها تخفي وراءها أسئلة أكثر جدية مما توحي به للوهلة الأولى .
وبين كتاب وآخر، ورواية وأخرى، تتأكد ملامح مشروع أدبي يراهن على فكرة بسيطة :
” ليس ضروريًا أن تأتي الفكرة الجادة في ثوب جاد طوال الوقت، وليس مطلوبًا من الكتاب أن يشبه ما سبقه حتى يجد طريقه إلى القارئ ” .
ولهذا ربما لم تعد غرابة العنوان في تجربة حسام كامل مجرد سمة شكلية، وإنما أصبحت جزءًا من هوية مشروعه .. عنوان يثير الدهشة أولًا، ثم يترك للقارئ مهمة اكتشاف الحكاية التي تقف خلفه.
ففي النهاية، قد يكون أكثر ما يميز هذه التجربة أن الكتاب يبدأ قبل الصفحة الأولى .. يبدأ من العنوان .




