صحة

من يخفي العلاج السحري لجميع الأمراض

 

بقلم : د. أحمد إمام حنفي

أستاذ بكلية العلوم جامعة الأزهر

تتردد بين الحين والآخر تساؤلات مشروعة، وأحياناً مثيرة للجدل، حول ما إذا كانت شركات الأدوية العملاقة أو القوى العالمية تُخفي علاجات نهائية لأمراض مزمنة مثل السرطان أو السكري. ففي ظل تزايد معدلات الإصابة بالأمراض المزمنة مثل السرطان والسكري، ولدت “نظرية المؤامرة” التي تفترض أن هناك علاجاً نهائياً أو “سحرياً” لهذه الأمراض، لكن شركات الأدوية العملاقة — بالتواطؤ مع جهات استخباراتية أو حكومات — تعمل على إخفائه لضمان استمرار الأرباح الباهظة من بيع المسكنات والأدوية المكملة.

ورغم أن هذه الفكرة تبدو جذابة لأنها تقدم تفسيراً بسيطاً وواضحاً لواقع معقد ومؤلم، إلا أن فحص الحقائق يكشف أن هذه النظرة قد لا تكون دقيقة لعدة أسباب منها:

السبب الأول: الموقف الاقتصادي حيث يروج أصحاب النظرية لفكرة أن “بيع الدواء المزمن يدر ربحاً أكثر من بيع علاج نهائي، ولكن الاقتصاد العالمي يقول عكس ذلك  فالشركة التي ستكتشف علاجاً نهائياً للسرطان أو للسكري أولاً ستحصل على براءة اختراع تمنحها حقاً حصرياً لبيعه لعقود. وبالتالي ستصبح هذه الشركة فوراً أكثر الشركات قيمة في تاريخ البشرية، وستكتسح السوق العالمي بالكامل، وتقضي على منافسيها، وتحقق أرباحاً تفوق بمراحل ما تحققه من أدوية علاج الأعراض. كما أن  الحكومات والأنظمة الصحية حول العالم لا تمانع في دفع المليارات لأي شركة تبتكر علاجاً يوفر عليها تريليونات الدولارات من تكاليف المستشفيات والتأمين ويحقق لها أرباحاً طائلة. بالإضافة إلى ذلك أنه إذا كانت هناك دولة تمتلك علاجاً نهائياً للسرطان، فإنها ستمتلك بذلك القوة الناعمة والسياسية التي تجعلها تسيطر على العالم صحياً واقتصادياً. فالدول تتنافس في مجال التكنولوجيا الحيوية بنفس ضراوة تنافسها في التكنولوجيا العسكرية. واخفاء مثل هذا الاكتشاف سيكون خسارة جيوسياسية كبرى للدولة التي تمتلكه.

السبب الثاني وهو استحالة اخفاء هذه الاسرار حيث يعمل العلماء في بيئات مفتوحة إلى حد ما، فهم لا يعملون في غرف مظلمة تحت سيطرة “مجلس إدارة” واحد لجميع الشركات والبلدان. الأبحاث الطبية تجري في آلاف الجامعات، والمستشفيات الجامعية، ومراكز الأبحاث المستقلة، والشركات الناشئة حول العالم في وقت واحد تقريباً. كما أن  نتائج الأبحاث تُنشر في دوريات علمية تخضع للمراجعة من قبل أقران (Peer Review) من دول مختلفة ذات مصالح متضاربة (أمريكا، الصين، روسيا، أوروبا). يضاف إلى ذلك أن الباحثون هم بشر، ولديهم عائلات وأصدقاء يعانون من هذه الأمراض وفكرة أن آلاف العلماء والباحثين والممرضين حول العالم قد تواطأوا على الصمت بينما يموت أحباؤهم أمام أعينهم هي فكرة تتناقض مع الطبيعة البشرية.

السبب الثالث وهو التحدي العلمي الذي نجابهه فالسرطان على سبيل المثال ليس نوعاً واحداً بل هو مظلة تضم أنواع كثرة مختلفة ولكل منها  شفرة جينية ومسارات نمو مختلفة. وإيجاد “علاج سحري” للسرطان يشبه البحث عن “مفتاح واحد” يفتح كل أقفال العالم.

إن التطور العلمي في مجال الأورام على سبيل المثال، مثل العلاجات المناعية (Immunotherapy) والعلاج الموجه، أثبت أننا لا نتكتم على العلاجات، بل نحن نكافح للوصول إليها.والنجاحات التي تحققت في علاج بعض أنواع سرطان الدم أو سرطان الجلد في العقود الأخيرة هي دليل على أن العلم يتقدم، لا أنه متوقف أو مخفي. كما انه في هذه الايام يتم تطوير علاج جديد وأمل كبير لمرضى السكر حيث يستعد فريق من العلماء لإجراء تجربة سريرية هذا العام على علاج جديد يعرف ( باسم KRIYA-839) يُوصف بأنه «حل محتمل» لإمكانية الاستغناء عن الحقن اليومية للأنسولين من خلال حقنة واحدة فقط. حيث يحوّل خلايا العضلات داخل الجسم إلى «مصانع» لإنتاجه وذلك بادخال  تعليمات جينية إلى خلايا العضلات، ما يسمح لها بإنتاج الأنسولين وبروتينات أخرى تنظّم مستويات السكر في الدم بشكل مستمر

إن السبب الحقيقي وراء عدم وجود “علاج نهائي” حتى الآن هو التكلفة والوقت. فتطوير دواء واحد يستغرق وقتاً طويلاً، وتكلفته قد تتجاوز ملايين الدولارات، مع احتمال فشل مرتفع جداً في المراحل السريرية.  إن فهم تعقيدات الخلية البشرية، والتحكم في الطفرات الجينية، وإيصال الدواء بدقة إلى الخلية المصابة دون غيرها دون إحداث آثار جانبية قاتلة هو تحدٍ بيولوجي هائل. وما حدث من طفرات في علاج كثير من الأمراض لا يخفى على أحد، فقبل 50 عاماً، كان تشخيص السرطان حكماً بالإعدام المباشر، أما اليوم، فبفضل الله تعالى ثم الأبحاث العلنية والمنافسة الشرسة بين شركات الأدوية، أصبح الملايين من الناس يعيشون لسنوات طويلة بجودة حياة جيدة، وبعض الأنواع باتت تُشفى تماماً.

هذا التصور لا ينفي أن هناك تلاعباً في الأسعار ومتاجرةً بآلام الناس واوجاعهم والمتاجرة بصحتهم لكننا نعقد أيضاً أن اكتشاف علاج نهائي للأمراض كما أنه سيخفف آلام المرضى ويكون سبباً في تخلصهم من الآلمهم فإنه سيصب أيضاً في مصلحة هؤلاء السماسرة ويزيد من ثروتهم وبالتالي لن يخفوه عن الناس.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى