اخبار مصر

يسري البدري وحسين عبد القادر.. عندما تنتصر الأخلاق على حسابات الانتخابات

 

بقلم: د.حماد الرمحي

في زمنٍ أصبحت فيه المنافسة على المواقع والمناصب هدفًا يسعى إليه كثيرون، تظل هناك مواقف نادرة تعيد التذكير بأن المهنة ليست مجرد سباق انتخابي، وإنما منظومة من القيم والأخلاق والوفاء والاحترام المتبادل.

ما حدث بين الزميلين الكبيرين يسري البدري وحسين عبد القادر لم يكن مجرد إجراء انتخابي عابر، بل كان مشهدًا إنسانيًا ومهنيًا يستحق التوقف أمامه طويلًا.

فبعد أن أعلن الكاتب الصحفي الكبير الأستاذ يسري البدري، مدير تحرير المصري اليوم وأحد أبرز الأسماء الصحفية في الملف الأمني، ترشحه لرئاسة رابطة محرري الحوادث والقضايا بنقابة الصحفيين، وجد التفافًا واسعًا من زملائه ودعمًا كبيرًا يعكس ما يتمتع به من رصيد مهني وإنساني ومكانة راسخة داخل الوسط الصحفي.

لكن المشهد اكتسب بعدًا آخر أكثر عمقًا وأكثر إنسانية عندما أعلن الكاتب الصحفي الكبير الأستاذ حسين عبد القادر، مدير تحرير الأخبار ورئيس قسم الحوادث السابق، ترشحه لرئاسة الرابطة، عندها لم يتعامل يسري البدري مع الأمر بمنطق الأرقام والحسابات الانتخابية، ولم ينظر إلى المنافسة باعتبارها معركة يجب أن تُخاض مهما كانت الظروف، وإنما نظر إليها بعين الزمالة والوفاء واحترام القامات المهنية التي أفنت أعمارها في خدمة صاحبة الجلالة.

كان بإمكانه أن يستمر في السباق، وأن يخوض منافسة انتخابية يمتلك من المقومات والدعم ما يؤهله لها، لكنه اختار طريقًا آخر أكثر نبلًا وأبقى أثرًا، اختار أن يمنح الأولوية للأخلاق على الطموح، وللاحترام على المكسب، وللقيم على الحسابات الضيقة، فقرر التنحي عن الترشح لرئاسة الرابطة، ليسجل موقفًا راقيًا يحمل في طياته معاني الوفاء والتقدير والإنسانية، ويعكس معدنًا أصيلًا لا تصنعه المناصب ولا تفرضه اللوائح، بل تصنعه التربية المهنية الحقيقية.

وجاء رد الكاتب الصحفي الأستاذ حسين عبد القادر معبرًا عن إدراكه لقيمة هذا الموقف النبيل، حين وصفه بأنه أكبر من أي تعليق، وأنه يجسد المبادئ التي تربى عليها أبناء المهنة الحقيقيون.

وبين الموقفين لم يكن هناك منتصر ومهزوم، بل كان هناك انتصار واضح وصريح للأخلاق، وانحياز نبيل للقيم التي تأسست عليها الصحافة المصرية عبر تاريخها الطويل.

ولعل ما يمنح هذه الواقعة أهميتها أنها جاءت في وقت أصبحت فيه بعض المنافسات الانتخابية تشهد ممارسات لا تليق بتاريخ النقابة ولا بمكانة الصحفيين.

فبدلًا من أن تكون الانتخابات ساحة لعرض البرامج والأفكار والرؤى، تحولت في بعض الأحيان إلى مساحات للتجريح والتشويه والمهاترات الشخصية، بما ينعكس سلبًا على صورة الصحفيين أمام الرأي العام، ويؤثر في مكانتهم التي شُيدت عبر عقود طويلة من النضال المهني والوطني.

إن أخطر ما يمكن أن تخسره أي مهنة ليس مقعدًا انتخابيًا أو موقعًا إداريًا، وإنما صورتها الذهنية وقيمتها المعنوية في أعين الناس، وحين تهتز هذه الصورة بسبب ممارسات فردية غير مسؤولة، فإن الضرر لا يصيب الأشخاص وحدهم، بل يمتد إلى الكيان المهني كله.

من هنا تبرز قيمة ما فعله الكاتب الصحفي الأستاذ يسري البدري، وما قابله به الكاتب الصحفي الأستاذ حسين عبد القادر من تقدير وامتنان.

إنها رسالة بليغة إلى أعضاء الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين، مفادها أن التنافس الشريف لا يتعارض مع الاحترام، وأن الاختلاف لا يلغي التقدير، وأن السعي إلى خدمة الزملاء لا يحتاج إلى إساءة للآخرين أو انتقاص من قدرهم.

فليكن هذا المشهد الراقي نموذجًا يُحتذى في انتخابات نقابة الصحفيين المقبلة، ولتكن المنافسة منافسة في خدمة الزملاء لا في الإساءة إليهم، وفي تقديم الأفكار لا في تبادل الاتهامات، وفي بناء الجسور لا في هدمها، فالمهنة التي علمت المجتمع قيم الحقيقة والاحترام تستحق من أبنائها أن يكونوا أول من يجسد هذه القيم في سلوكهم ومواقفهم.

 

إن نقابة الصحفيين كانت وستظل بيتًا كبيرًا يجمع أبناء المهنة تحت راية واحدة، ولهذا فإن الحفاظ على هيبتها ومكانتها يبدأ من سلوك أعضائها ولغة خطابهم وأخلاقيات ممارساتهم، فالانتخابات تنتهي، والنتائج تتغير، والمناصب تتبدل، أما المواقف النبيلة فتبقى شاهدة على أصحابها، تحفظها الذاكرة المهنية ويخلدها التاريخ.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى