مشاهير

الكاتب والمفكر قلم جاف حمدي قنديل

قلم جاف

حمدي قنديل

إمبراطورية المصالح المجرّدة: الوجه الآخر للهيمنة العالمية

حين تُقرأ السياسة الدولية بعيداً عن الشعارات البراقة والدعاوى الأخلاقية التي تسوقها الدول الكبرى، تتكشف حقائق قاسية حول طبيعة النظام العالمي القائم. في مركز هذا النظام تتربع الولايات المتحدة الأمريكية، مدعومة بمنظومة شديدة التعقيد من التحالفات والمؤسسات العابرة للحدود، وفي مقدمتها الدوائر المرتبطة بالمشروع الصهيوني العالمي.

الولايات المتحدة ليست إلا عدواً مجرماً لا يعتز بصديق إلا بقدر ما يحقق له من منفعة، فهي منظومة لا تحكمها قيم إنسانية ولا مبادئ أخلاقية ثابتة، بل يحركها محرك واحد لا يعرف الشبع: “المصلحة المطلقة والمنفعة المادية بأي ثمن”. في قاموس هذه الهيمنة الإمبراطورية، تسقط الحدود الفاصلة بين المشروع والغير مشروع؛ تصبح السياسة الخارجية أداة للابتزاز السياسي، ونهب الثروات، وإدارة الأزمات، بل وصنع الفتن والحروب إذا لزم الأمر لضمان تدفق الموارد واستمرار التفوق الاستراتيجي.

ضمن هذا المشهد، تبرز إسرائيل الكبرى كقاعدة متقدمة ومخلب قط للمشروع الغربي في المنطقة، ووكيل حصري لحراسة مصالح الهيمنة وتقسيم المقسم. إن الدعم اللامحدود سياسياً وعسكرياً يجعل منها امتداداً وظيفياً لتلك الإمبراطورية، تُستخدم لضرب أي محاولة للنهوض أو الاستقلال العربي، ولإبقاء الإقليم في حالة صراع دائم يضمن استنزاف طاقاته وثرواته.

لكن، وسط هذا الخراب الممتد، يبرز السؤال المؤلم: لماذا نحن تائهون بين العرب؟ لماذا تختفي نداءات الوحدة الحقيقية والجيش العربي الموحد الذي يحمي الأمة بدلاً من أن يكون أداة لتمزيقها؟ ولماذا هذا الصمت المطبق عما يدور اليوم من هدم ممنهج للدول وإسقاط لمؤسساتها لتفسح المجال واسعاً أمام مشروع التوسع الإسرائيلي؟

لقد سقطت كل الأقنعة، وأصبح لزاماً على العقل العربي قراءة الواقع بلا أوهام؛ فالاعتماد على منظومة تدير العالم بالحديد والنار لن ينتج إلا مزيداً من الفناء. إن استعادة القرار والوعي الذاتي هما السبيل الوحيد للخروج من دائرة التبعية والاستغلال، ووقف هذا النزيف المستمر قبل ألا يتبقى وطن لنحميه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى