المرافق والخدمات العامة على المستوى المحلي: ماذا نتابع؟ ولماذا؟ وكيف؟

نهال المغربل – نائب وزير التخطيط للمتابعة سابقاً
تعتبر الجولات الميدانية على المرافق والخدمات العامة جزءاً من عملية التفتيش وليس من عملية المتابعة، وتركز على الجوانب اللوجستية والجاهزية المادية وعلى الأمن والسلامة والنظافة والظروف البيئية والتجهيزات اللازمة لتقديم الخدمات العامة كالتعليم والصحة وتوفير مياه الشرب وخدمات الصرف الصحي والطاقة. ويختلف هذا النوع من التفتيش عن التفتيش الفني الذي تقوم به فروع الوزارات المركزية على المستوى المحلي لهذه المرافق والخدمات العامة والذي يركز على الجوانب الفنية وعلى أداء العنصر البشري وما شابه.
أوضحت الجولة الميدانية التي قام بها محافظ القليوبية لعدد من المدارس “بهدف متابعة الاستعدادات للعام الدراسي الجديد والوقوف على احتياجات المدارس المتعلقة بالبنية الأساسية والمرافق والسلامة”.
كما ورد في وسائل التواصل الاجتماعي، وعلى البوابة الإلكترونية للمحافظة، وجود خلط في المفاهيم الأساسية للمتابعة والتقييم كجزء من عملية التخطيط الاستراتيجي، ومفاهيم الرقابة والتفتيش.كما تؤكد نتائج هذه الجولة وغيرها من الجولات الميدانية التي يقوم بها المحافظون والمسئولون التنفيذيون على المستوى المحلي عن أهمية وجود نظام محكم للمتابعة والتقييم لتعزيز عملية التخطيط الاستراتيجي والتي تهدف في المقام الأول إلى إتاحة الخدمات العامة والمرافق والبنية الأساسية بعدالة وكفاءة لتحسين مستوى معيشة المواطنين في كل مكان.وتركز عملية التفتيش على التحقق المباشر من الالتزام بالقوانين واللوائح وبالمواصفات والمعايير الفنية والإدارية وبشروط السلامة وجودة الأداء.
ففي المدارس والوحدات الصحية ومحطات المياه والصرف الصحي، يتحقق التفتيش من صلاحية المباني والتجهيزات، وتوافر العاملين المؤهلين، والالتزام بمعايير الصحة والسلامة. وغالباً ما يترتب على التفتيش إلزام الجهة المعنية بإزالة المخالفة أو تصحيحها، وقد يقترن بإجراءات إدارية أو قانونية في حال ثبوت الإهمال أو عدم الامتثال.بينما تهدف إجراءات الرقابة على ضمان المشروعية والنزاهة والمساءلة وحسن استخدام المال العام. وتشمل الرقابة المالية، والإدارية والقانونية ورقابة الأداء.
وتبحث الرقابة مدى عدالة توزيع الاستثمارات والخدمات بين الوحدات المحلية، وشفافية ونزاهة إجراءات الطرح والإسناد والتعاقد والمشتريات، وكفاءة استخدام الموارد، ومدى استجابة الجهات التنفيذية لشكاوى المواطنين ومعالجة أوجه القصور.وتتم عملية التفتيش بشكل مفاجئ في حالة وجود شكوى أو للتحقق من وجود مخالفة معينة، وبعد ثبوت المخالفة، تكون هناك زيارات تفتيشية أخرى للتأكد من معالجة المخالفة أو إزالتها.
كما يفترض أن يتولى مسئولي التفتيش تنفيذ خطة تفتيش محددة بشكل دوري للتأكد من مستوى الالتزام بالمعايير خلال مدى زمني معين.تمتد عملية الرقابة عبر فترة زمنية أطول وترتبط بدورة تقديم الخدمة أو إدارة الموارد؛ حيث تشمل رقابة سابقة قبل اتخاذ القرار أو الصرف، ورقابة متزامنة أثناء التنفيذ، ورقابة لاحقة بعد انتهاء النشاط أو السنة المالية.
كما يمكن أن تكون الرقابة مستمرة من خلال المراجعة الداخلية وكجزء من منظومة الشكاوى، أو دورية من خلال مراجعات الأداء والتقارير المالية. أما المتابعة فتعتبر عملية مستمرة ودورية تبدأ مع بدء تنفيذ المشروع أو تقديم الخدمة وتستمر طوال فترة التنفيذ، بل ويتم إعداد خطة المتابعة بالتزامن مع مرحلة إعداد الخطط الاستراتيجية المختلفة، وتختلف دورية المتابعة وفقاً للهدف منها1وحسب القطاع أو المعني أو طبيعة الخدمة العامة. على سبيل المثال، يتم متابعة انقطاع المياه أو الكهرباء بشكل يومي، بينما تكون متابعة معدلات حضور الطلاب وتوافر الأدوية والمستلزمات الطبية بشكل شهري، ويمكن التعرف على مدى التقدم في
في تنفيذ مشروعات المياه والصرف الصحي كل 3 شهور
وتعتمد المتابعة على جمع البيانات والمعلومات وتقدير مؤشرات قياس الأداء والتحقق منها من خلال الوثائق الرسمية الموثوق فيها. وتتضمن المتابعة أيضاً تحليلاً لهذه البيانات والمعلومات لقياس مدى التحقق من معدلات تنفيذ الخطط والبرامج والمشروعات وفق الإطار الزمني والموارد المتاحة. وتساعد المتابعة على اكتشاف التحديات والانحرافات عن معدلات التنفيذ المخطط لها، واتخاذ إجراءات تصحيحية أثناء التنفيذ، وقبل تفاقم المشكلات، ومن ثم تساعد عملية المتابعة على ضبط الأداء بشكل دوري ومستمر، وتساهم بشكل كبير في تجنب الأزمات وانقطاع الخدمات وفي معالجة نقص الموارد المالية والبشرية أو تخصيص الأراضي أو تهيئة الإطار القانوني والمؤسسي والتنظيمي اللازم.
وكما سبق الذكر، تلعب البيانات دوراً هاماً في توفير إطار محكم ومفيد للمتابعة، ويتعين التأكد من توفير البيانات بشكل دوري وأيضاً تحديثها بشكل مستمر مع توثيق هذه البيانات من خلال مصادر التحقق المختلفة من قرارات معتمدة، ومحاضر اجتماعات، ومحاضر استلام، وسجلات التشغيل، والموازنات، وأذون الصرف والمستخلصات وغيرها.
ويعتمد نجاح المتابعة على توافر الكوادر البشرية المؤهلة والمدربة وعلى تطبيق أدلة العمل واستخدام النماذج المخصصة للمتابعة وقياس مؤشرات الأداء وإعداد تقارير المتابعة الدورية ونشرها والاستفادة من التوصيات الواردة بها. وتوفر الأدوات الرقمية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي والثورة الصناعية الرابعة فرصة كبيرة لتحويل عملية المتابعة إلى منظومة رقمية توفر الوقت والجهد وتعد التقارير الآنية وتعزز من اتخاذ القرارات السليمة المبنية على الأدلة وعلى البيانات الحقيقية.وبالنسبة لمنظومة المتابعة، تشمل الأطر الإجرائية والتنظيمية ذات علاقة مباشرة بأنشطة المتابعة والتقييم بالمحافظات، صدور قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 1146 لسنة 2018 باستحداث تقسيمات تنظيمية في الجهاز الإداري للدولة، بينها: التخطيط الاستراتيجي والسياسات، التقييم والمتابعة، والمراجعة الداخلية. كما تتضمن أيضاً قرار رئيس الوزراء رقم 1167 لسنة 2019 بشأن موازنة البرامج والأداء، وقرار رئيس الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة رقم 54 لسنة 2020 وتعديلاته، باستحداث تقسيم تنظيمي للمراجعة الداخلية والحوكمة بوحدات الجهاز الإداري للدولة. وينص الاختصاص الثالث (المادة الثالثة) للتقسيم المذكور على مراجعة الخطط الاستراتيجية والتنفيذية والتشغيلية للوحدة للتأكد من فاعليتها، وقرار رئيس الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة رقم 86 لسنة 2019، باستحداث تقسيم تنظيمي للإدارة الاستراتيجية بوحدات الجهاز الإداري للدولة. كما أطلقت الحكومة تطبيقات مثل “شارك 2030” والمنظومة المتكاملة لإعداد ومتابعة الخطة الاستثمارية،ومنظومة أداء.
وعودةً للزيارات الميدانية التفتيشية التي تقوم بها القيادات التنفيذية على المستوى المحلي، والتي يتعين أن تتكامل مع إطار محكم للمتابعة المبنية على أسس علمية سليمة وباستخدام الأدوات الرقمية الحديثة والمتطورة، يمكن الاسترشاد بتجارب ناجحة في دول شبيهة كدولة جنوب أفريقيا التي تستخدم “لوحة المعلومات الوطنية لجاهزية المدارس”، والتي تعرض بيانات وإحصاءات حول سبع قضايا رئيسية تشمل تنمية الطفولة المبكرة؛ وتوفير مواد دعم التعلم والتعليم؛ ونقل المتعلمين؛ والبنية التحتية للمدارس؛ وقبول المتعلمين وتوزيعهم على المدارس؛ وتوفير الكوادر البشرية؛ والبرنامج الوطني للتغذية المدرسية. وتقوم الوزارة المعنية بمتابعة حالة الجاهزية المدرسية عن كثب، بما في ذلك التواصل المستمر مع أعضاء المجلس2التنفيذي المسؤولين عن التعليم في المقاطعات، والإشراف المباشر على المخاطر والأزمات التي تطرأ. وتقدم إدارات التعليم في المقاطعات البيانات المتعلقة بجاهزية المدارس، وتُعتمد من قبل رؤساء هذه الإدارات لضمان مصداقيتها. وتتجاوز جاهزية المدارس مجرد مسألة الامتثال للوائح، بل تتعلق أيضاً بمدى توفر الظروف الملائمة للتعلم والتعليم؛ والتي تعتبر حالة متغيرة تستجيب للتحديات المحلية وتتطور يوماً بعد يوم. وقد لعبت “لوحة المعلومات الوطنية لجاهزية المدارس” دوراً حاسماً في تركيز اهتمام الحكومة والوحدات المحلية في جنوب أفريقيا على “التعليم والتعلم الأساسي”، وعلى استقرار المنظومة التعليمية، وعلى التأكد من الجاهزية التشغيلية للمدارس مع بداية العام الدراسي.
وبالتالي توفر المتابعة نظام إنذار مبكر بشأن التحديات وعدم الالتزام بالجدول الزمني أو خطط التنفيذ بسبب التأخر في توفير الموارد أو نقصها، أو ارتفاع التكلفة، أو عدم توافر الاشتراطات اللازمة لتنفيذ المشروعات توفير المخرجات على أرض الواقع وتحقق النتائج وتطرح المتابعة تساؤل عن مدى الالتزام بتنفيذ البرامج والمشروعات وفق الخطط الموضوعة وفي إطار الموارد المالية المتاحة مع اتباع معايير الجودة والكفاءة. بينما يستهدف التفتيش التحقق من التزام الجهات المختلفة بالقوانين والمعايير والمواصفات. وأخيراً تتحقق الرقابة من إدارة الموارد بنزاهة وكفاءة وشفافية وتوفير آليات للمحاسبة والمساءلة عند حدوث أي تجاوزات أو قصور ويتحقق تحديد هذه الأدوار بشكل واضح وتوفير آليات للتنسيق بينها إلى إتاحة الخدمات العامة بشكل أكثر عدالة، وإلى تحسين جودتها وكفاءتها، وإلى تقليص الفجوات المكانية، وتعزيز ثقة المواطنين في الإدارة المحلية.




