القلب الذي يعقل: حين يلتقي العلم بالإيمان

القلب الذي يعقل: حين يلتقي العلم بالإيمان
بقلم: الدوقة نيفين الجمّل
ظلّ الاعتقاد سائداً لقرون طويلة بأن القلب ليس سوى مضخة بيولوجية وظيفتها ضخ الدم إلى أنحاء الجسم. لكن العلم الحديث بدأ يكشف حقائق مدهشة دفعت العديد من الباحثين إلى إعادة النظر في فهمهم لدور القلب في حياة الإنسان.
فقد اكتشف العلماء أن القلب يمتلك شبكة عصبية معقدة خاصة به تُعرف باسم الجهاز العصبي القلبي الداخلي (Intrinsic Cardiac Nervous System)، تحتوي على أكثر من أربعين ألف خلية عصبية، وتتواصل بشكل مستمر مع الدماغ عبر شبكة دقيقة من الإشارات العصبية والكيميائية.
ولم تعد وظيفة القلب تقتصر على ضخ الدم فحسب، بل أظهرت الأبحاث أنه يرسل كميات هائلة من المعلومات إلى الدماغ، تؤثر في المشاعر والإدراك والانتباه واتخاذ القرار والسلوك الإنساني. كما تشير بعض الدراسات إلى أن العلاقة بين القلب والعقل أكثر تعقيداً مما كان يُعتقد سابقاً، وأن حالة القلب قد تؤثر في الطريقة التي يرى بها الإنسان العالم من حوله.
ومع استمرار العلم في استكشاف هذه العلاقة المذهلة بين القلب والدماغ، يتوقف كثيرون للتأمل في كلمات وردت في القرآن الكريم منذ أكثر من أربعة عشر قرناً.
يقول الله تعالى:
“أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها”
(سورة الحج: 46)
ويقول سبحانه:
﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾
(سورة الأعراف: 179)
إن هذه الآيات تربط بين القلب والفهم والإدراك بصورة تدعو إلى التأمل العميق. فالقرآن لا يتحدث عن القلب باعتباره عضواً جسدياً فقط، بل باعتباره مركزاً للفهم والبصيرة والوعي الأخلاقي.
وسواء نظر الإنسان إلى هذه القضية من زاوية الإيمان أو من زاوية العلم، فإن حقيقة واحدة تبدو واضحة:
حالة القلب تؤثر في طريقة رؤيتنا للعالم وتعاملنا مع الآخرين.
فالقلب الممتلئ بالكبرياء قد يعجز عن رؤية الحقيقة.
والقلب الممتلئ بالحقد قد يبحث عن الأخطاء أكثر مما يبحث عن العدل.
والقلب الممتلئ بالحسد قد يرى النعم نقماً والنجاحات تهديداً.
أما القلب الممتلئ بالرحمة والتواضع والصدق، فإنه يكون أكثر قدرة على الفهم والإنصاف والحكمة.
ولهذا فإن صلاح الإنسان لا يبدأ من عقله وحده، بل من قلبه أيضاً.
قبل أن تتكلم، تذكّر أن الله يسمع.
قبل أن تحكم على الآخرين، تذكّر أن الله يعلم.
قبل أن تؤذي إنساناً بكلمة أو اتهام أو افتراض، تذكّر أن الله يرى ما تخفيه الصدور.
اتقِ الله قبل أن تتصرف.
اتقِ الله قبل أن تتكلم.
اتقِ الله قبل أن تنشر إشاعة أو تنقل خبراً لا تعلم حقيقته.
اتقِ الله قبل أن تكسر قلب إنسان أو تظلمه أو تؤذيه.
فالقلب الممتلئ بالكبرياء يهدم.
أما القلب الممتلئ بالرحمة فيُصلح ويشفي.
وفي عالم يمتلئ بالضجيج والأحكام السريعة والانقسامات، ربما نحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى قلوب أكثر وعياً ورحمة، وعقول أكثر حكمة وإنصافاً.
نسأل الله أن يلين قلوبنا بالرحمة، وينير عقولنا بالحكمة، ويجعلنا من أهل الصدق والعدل والسلام.
فالعلم يفسر كيف يعمل القلب، أما الإيمان فيذكرنا لماذا خُلق القلب أصلاً.
وعندما يجتمع العلم والإيمان، يقترب الإنسان أكثر من الحقيقة.




